عنوان القصة: «الصندوق الأسود الذي يَعِدُ بالوفاء»
كنتُ أُنَظِّفُ غُرْفَةَ الضُّيُوفِ، وَفَجْأَةً لَاحَ لِي صُنْدُوقٌ خَشَبِيٌّ قَدِيمٌ مُغْلَقٌ بِقُفْلٍ صْغِيرٍ، تَحْتَ سَجَّادَةِ الْخَزَانَةِ!
سَأَلْتُ «سُلَيْمَانَ»: «مَا هَذَا؟»
فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَقَالَ: «مَهْمَا رَأَيْتِ… تَذَكَّرِي أَنَّهُ لَيْسَ خِيَانَةً!»
فَتَحْتُهُ بِمِفْتَاحِ الْحَمَّامِ (لِأَنَّنِي نَسِيتُ أَيَّ مِفْتَاحٍ هُوَ!)، فَإِذَا فِي دَاخِلِهِ:
- ظْرْفٌ أَبْيَضُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: «لِزَوْجَتِي… إِذَا غِبْتُ عَنْهَا يَوْمًا».
- ظْرْفٌ أَحْمَرُ: «إِذَا غَضِبْتُ مِنْهَا».
- ظْرْفٌ أَزْرَقُ: «إِذَا أَحْزَنَتْهَا الدُّنْيَا».
- ظْرْفٌ أَخْضَرُ: «إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَضْحَكَ».
وَفِي قَاعِ الصُّنْدُوقِ دَفْتَرٌ صَغِيرٌ عُنْوَانُهُ: «مَوَاثِيقُ وَفَائِي»!
افْتَحْتُ الظُّرُفَ الْأَبْيَضَ، فَإِذَا فِيهِ وَرَقَةٌ:
«صَبَاحُ الْحُبِّ… أَنَا لَسْتُ غَائِبًا، بَلْ فِي قَلْبٍ يَدعُو لَكِ … اِفْتَحِي الشُّبَّاكَ، وَابْتَسِمِي لِلشَّمْسِ، تَجِدِينِي فِي دُفْئِهَا».
الْأَحْمَرُ: «أَغْضَبْ… لَكِنْ تَذَكَّرِي أَنَّ غَضَبِي لَا يُلْغِي حُبِّي… اِعْصِرِي قَلْبَكِ كَمَا تَعْصِرِينَ اللَّيْمُونَ، وَسَتَجِدِينَ الْعَطَرَ»!
الْأَزْرَقُ: «دُمُوعُكِ أَمْوَاجٌ… أَنَا رَمْلُ الشَّاطِئِ الَّذِي يَمْتَصُّ أَلَمَكِ، فَلَا تَخْشَي السُّيُولَ».
الْأَخْضَرُ: «ابْتَسِمِي… فَابْتِسَامَتُكِ تُطْفِئُ ثَوْرَةُ عَصْبِيَّتِي، وَتُشْعِلُ ثَوْرَةُ حَيَاتِي».
ثُمَّ افْتَحْتُ الدَّفْتَرَ، فَإِذَا فِيهِ عِبَارَةٌ وَاحِدَةٌ:
«أَعْلَمُ أَنَّكِ تَكْشِفِينَ هَذَا الصُّنْدُوقَ يَوْمًا مَا… لِذَلِكَ أَكْتُبُ لَكِ: لَا تَظُنِّي أَنَّ الْوَفَاءَ كَلِمَاتٍ، بَلْ هُوَ أَنْ أَبْقَى عَلَى وَعْدِي حَتَّى لَوْ غِبْتُ، حَتَّى لَوْ غَضِبْتُ، حَتَّى لَوْ بَكَيْتُ… أَنَا هُنَا… لَسْتُ أَبْدًا بَعِيدًا».
جَلَسْتُ عَلَى الْأَرْضِ أَبْكِي… لَكِنَّ دُمُوعِي هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ تَكُنْ حُزْنًا، بَلْ كَانَتْ «غَسْلَةَ وَجْهٍ» لِلْقَلْبِ!
دَخَلَ «سُلَيْمَانُ»، فَجَلَسَ بِجَانِبِي، وَقَالَ: «تِلْكَ كَانَتْ فِكْرَتِي قَبْلَ خَمْسِ سَنِينَ… خَشِيتُ أَنْ أَنْسَى وَعْدِي، فَكَتَبْتُهُ… وَنَسِيتُ مَكَانَ الصُّنْدُوقِ، لَكِنِّي لَمْ أَنْسَى الْوَعْدِ!»
احْتَضَنْتُهُ وَقُلْتُ: «أَنَا أَيْضًا نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَ… لَكِنِّي تَذَكَّرْتُ الْيَوْمَ أَنَّ الْوَفَاءَ لَيْسَ أَنْ لَا نُخْطِئَ، بَلْ أَنْ نَبْقَى نَكْتُبُ كَلِمَةَ الْحَقِّ حَتَّى لَوْ دَفَنَّاهَا تَحْتَ السَّجَّادَةِ!»
دُرُوسٌ مُسْتَفَادَةٌ سَرِيعَة
- الْوَفَاءُ لَيْسَ شِعَارًا تَرْفَعُونَهُ، بَلْ «صُنْدُوقُ عَمَلٍ» تَمْلَأُونَهُ كُلَّمَا غِبْتُمْ عَنِ الْمَشْهَدِ.
- اكْتُبُوا وَعْدَكُمْ… حَتَّى لَوْ نَسِيتُمُوهُ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الْمَكْتُوبَةَ تَبْقَى تُقَبِّلُكُمْ يَوْمَ الْفَجْرِ!
- لَا تَسْخَرُوا مِنْ «الْأَوْرَاقِ الْمُلَوَّنَةِ»، فَرُبَّمَا تَكُونُ هِيَ الْجِسْرَ الَّذِي يَعْبُرُ بِهِ الْقَلْبُ إِلَى الْقَلْبِ.
- إِذَا وَجَدْتُمْ صُنْدُوقًا مُغْلَقًا… لَا تَفْتَحُوهُ بِمِفْتَاحِ الْحَمَّامِ، بَلْ بِمِفْتَاحِ «الصَّبْرِ» وَالثِّقَةِ!