البُرْطَمان الذي ابتَزَّ الدَّمْع… ثم أَفْرَغَ التَّضْحِيات

قصة قصيرة بأسلوب الدكتورة نهاد علم الشربيني
(يمكنك نشرها مباشرة مع ذكر المصدر: «قصة واقعية من كتاب قصص الحياة الزوجية – بتصرف»)


كنتُ أُنَظِّفُ غُرْفَةَ السُّفْرَةِ عَشِيَّةَ العِيدِ ، وَفَجْأَةً سَقَطَ مِنْ رَفِّ النَّوَافِذِ بُرْطَمَانُ زُجَاجِيٌّ صَغِيرٌ، تَنَاثَرَ فِي أَرْجَاءِ الْغُرْفَةِ شَيْءٌ أَبْيَضُ كَالْمَلْحِ.
اقْتَرَبْتُ… فَإِذَا هُوَ «وَرَقٌ مَطْوِيٌّ إِلَى أَجْزَاءٍ دَقِيقَةٍ»، عَلَيْهَا عِبَارَاتٍ بِخَطِّ زَوْجِي «مُحْسَنٍ»:
«إِلَى حَبِيبَتِي فِي أَوَّلِ عِيدٍ لَنَا… أَعْلَمُ أَنِّي فَقِيرُ الْمَالِ، لَكِنِّي غَنِيُّ التَّضْحِيَةِ… سَأَمْلَأُ هَذَا الْبُرْطَمَانَ بِتَضْحِيَاتِ قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى أُقَدِّمَ لَكِ الْعَالَمَ».
كَانَ تَوْقِيعُهُ: «عَاشِقُكِ إِلَى الْأَبَدِ».

جَلَسْتُ عَلَى الْأَرْضِ، أَلُمُّ بِأَطْرَافِ الْوَرَقِ الْمُبَتَّرِ، وَدَمْعَتِي تَسْقُطُ عَلَى كَلِمَةِ «إِلَى الْأَبَدِ»!
فَكَّرْتُ: «كَمْ عِيدٍ مَضَى وَلَمْ أَعُدْ أَرَى بُرْطَمَانًا، وَلَا أَسْمَعُ تَضْحِيَةً، وَلَا أَشْعُرُ بِإِلَى الْأَبَدِ!»

دَخَلَ «مُحْسَنٌ» وَهُوَ يَحْمِلُ أَكْيَاسَ الْعَشَاءِ، فَلَمَّا رَأَى الْحَالَّةَ اسْتَغْرَقَ ثَانِيَتَيْنِ… ثُمَّ جَلَسَ بِجَانِبِي:
«أَنْتِ تَبْكِينَ عَلَى تَضْحِيَاتٍ مَكْسُورَةٍ؟»
قُلْتُ: «أَبْكِي عَلَى الدُّنْيَا الَّتِي تَكْسِرُ التَّضْحِيَاتِ كُلَّ يَوْمٍ، وَتُعَدِّلُ مَعَانِي الْأَبَدِ!»
أَخَذَ يَجْمَعُ الْوَرَقَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يُرَتِّبُ قَلْبَهُ، ثُمَّ قَالَ:
«هَيَّا نَكْتُبُ وَرَقَةً جَدِيدَةً الْيَوْمَ… نَفْسُ الْعِبَارَةِ، بَلِّغِيهَا لِلْبُرْطَمَانِ، وَسَأَمْلَأُهُ بِتَضْحِيَاتٍ مُنْتَصِرَةٍ عَلَى الزَّمَنِ».

جَلَسْنَا نَكْتُبُ بِيَدَيْنَا عَلَى وَرَقَةٍ وَاحِدَةٍ:
«إِلَى حَبِيبَتِي فِي هَذَا العِيد… أَعْلَمُ أَنِّي أَصْبَحْتُ أَكْثَرَ مَالًا، لَكِنِّي أَصْبَحْتُ أَفْقَرَ وَقْتًا… سَأَمْلَأُ هَذَا الْبُرْطَمَانَ بِتَضْحِيَاتٍ مُوَقَّتَةٍ: تَضْحِيَةُ صُبْحٍ مُبَكَّرَةٍ فِي الشِّتَاءِ، تَضْحِيَةُ كُوبِ قَهْوَةٍ فِي الْبَلْكُونَةِ، تَضْحِيَةُ سَاعَةٍ صَامِتَةٍ نَقْرَأُ فِيهَا كِتَابًا لِأَبْنَائِنَا… إِلَى أَبَدٍ مُقَسَّمٍ عَلَى لَحَظَاتٍ، لَكِنَّهُ أَبَدٌ نَافِذُ إِلَى الْقَلْبِ».

طَوَيْنَا الْوَرَقَةَ، وَأَلْقَيْنَاهَا فِي بُرْطَمَانٍ جَدِيدٍ، وَوَضَعْنَاهُ عَلَى الرَّفِّ نَفْسِهِ… لَكِنَّنَا اتَّفَقْنَا أَنْ نُخَرِّجَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ، نَقْرَأُ مَا فِيهِ، ثُمَّ نَزِيدُ عَلَيْهِ تَضْحِيَةَ أُسْبُوعِنَا!

مِنْ يَوْمِهَا، صَارَ «بُرْطَمَانُ التَّضْحِيَاتِ» شَاهِدًا عَلَى أَنَّ الْحُبَّ لَا يَمُوتُ… بَلْ يَنْتَظِرُ أَنْ نُعِيدَ تَأْكِيدَهُ بِكَلِمَةٍ جَدِيدَة!


دُرُوسٌ مُسْتَفَادَةٌ سَرِيعَة

  1. التَّضْحِيَةُ الْمَكْسُورَةُ لَيْسَتْ خَبَرًا قَدِيمًا، بَلْ دَعْوَةٍ لِكِتَابَةِ خَبَرٍ جَدِيدٍ.
  2. لَا تَبْكِي عَلَى مَا فَاتَ… بَلِ اسْأَلِي: كَيْفَ أُجَدِّدُ مَا بَقِيَ؟
  3. اِجْعَلُوا لِحُبِّكُمَا «بُرْطَمَانًا زَمَنِيًّا» تَمْلَأُونَهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ بِتَضْحِيَةٍ صَغِيرَةٍ… فَالزَّمَنُ لَا يَقْتُلُ الْحُبَّ، بَلْ يَقْتُلُ «التَّجْدِيدَ».
  4. إِذَا شَعَرْتُمْ بِالْغُمُودِ، فَتَذَكَّرُوا أَوَّلَ عِبَارَةٍ كَتَبْتُمُوهَا… ثُمَّ كَتِّبُوهَا ثَانِيَةً بِقَلَمٍ أَكْبَرَ وَقَلْبٍ أَرْحَبَ.

قَصَصٌ وَاقِعِيَّةٌ #بُرْطَمَانُ التَّضْحِيَاتِ #التَّوْفِيقُ لِلزَّوَاجِ